القاضي عبد الجبار الهمذاني

19

تثبيت دلائل النبوة

الوليد بن يزيد / بن عبد الملك « 1 » وما اتى من شرب الخمور والمجاهرة بذلك . فأثار بنو العباس ودعاتهم أهل خراسان بذلك ، فقدم بنو العباس على امر ممهد وجند مجند ، وعلى قوم مسلمين قد صدّقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ورضوا بما رضي رسول اللّه ، وغضبوا مما يغضب منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فبنو العباس إلى رسول اللّه نحوا ، وبأمته والمصدقين به استجاروا ، فالذي تم لهم فبرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تم ، وبظله تفيئوا ، وبه تستروا ، وهذه سبيل كل من ادعى بعده صلّى اللّه عليه وسلم الإمامة من بني هاشم ومن جميع قريش أو ادعى انه من قريش . وكلهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تشبثوا ، وبه تستروا واستعاذوا ولاذوا ، ولأجله تم لهم ما تم . وأنت تجد ذلك في واحد واحد منهم في مشارق الأرض ومغاربها ، وتعرف الحق منهم من المبطل ، والدّعيّ من الصريح ، فأين هذا من دعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وسبيلها ما قدمنا وشرحنا . فإن قيل : أوليس مع ادعائه النبوة قد حمل السيف على من خالفه ، وحارب بمن أطاعه من عصاه ، فما تنكرون ان يكون الذي تم له من أوله إلى آخره انما تم بالسيف وبالمكابرة ، لا بالآيات والمعجزات ؟ قيل له : ما أنكرنا انه حمل السيف ، وانما كلامنا في الذين صاروا سيوفا له وعساكر / وبهم استطال على عدوه ، فإن هؤلاء قد أجابوه بلا دنيا ولا سيف كما قد قدّمنا وبينا ، وبمصيرهم إلى طاعته صحت نبوته فظهرت دلائل رسالته ، لأنه ما خلق قوما حملوا السلاح معه ، وانما أجابه المهاجرون

--> ( 1 ) الوليد بن يزيد هو الخليفة الحادي عشر من خلفاء بني أميّة ، تولى امرة المسلمين سنة 125 ه وعكف على شرب الخمر وسماع الغناء ومعاشرة النساء ، وقد ثقل امره على الرعية والجند فثاروا عليه سنة 126 ه بعد ان دعا يزيد بن الوليد بن عبد الملك إلى نفسه ، وقد قتل الوليد في نفس السنة . تاريخ أبي الفداء 205 - 206 .